سيد قطب

1255

في ظلال القرآن

وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة ؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها ، وفي مظاهرها وفروعها ، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة - صلى اللّه عليه وسلم - ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها . . وهذا الموقف ليس مقصورا على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك ، وما كان في الأرض من حولها . . إن الإسلام ليس حادثا تاريخيا ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه ! . . إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة . . وهو يواجهها كما واجهها أول مرة ، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة ! . . إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها - وهذه هي « الرجعية » البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه « الرجعية » مرة أخرى كذلك ؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة ؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية ؛ والغيبوبة في ظلامها الطاغي ! ظلام التصورات . وظلام الشهوات . وظلام الطغيان والذل . وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضا ! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج ، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية ، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ، لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » . . ويعلم - من طبيعة الواقع - من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى ، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار . ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة ، في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهادا كبيرا . . والبشرية اليوم في موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذا الكتاب ، مأمورا من ربه أن ينذر به ويذكر ؛ وألا يكون في صدره حرج منه ، وهو يواجه الجاهلية ، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق . . لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين ، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر ، والسطوح والأعماق ! انتكست البشرية في تصوراتها الاعتقادية ابتداء - حتى الذين كان آباؤهم وأجدادهم من المؤمنين بهذا الدين ، المسلمين للّه المخلصين له الدين - فإن صورة العقيدة قد مسخت في تصورهم ومفهومهم لها في الأعماق . . لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم ، وليقيم عالما آخر ، يقر فيه سلطان اللّه وحده ، ويبطل سلطان الطواغيت . عالما يعبد فيه اللّه وحده - بمعني « العبادة » الشامل « 1 » - ولا يعبد معه أحد من العبيد . عالما يخرج اللّه فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده . عالما يولد فيه « الإنسان » الحر الكريم النظيف . . المتحرر من شهوته وهواه ، تحرره من العبودية لغير اللّه . جاء هذا الدين ليقيم قاعدة : « أشهد أن لا إله إلا اللّه » التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري - كما تقرر هذه السورة وغيرها من سور القرآن الكريم - وشهادة أن لا إله إلا اللّه ليس لها مدلول

--> ( 1 ) يراجع فصل « العبادة » في كتاب : « المصطلحات الأربعة في القرآن » للمسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان .